لم تكن ليلة عادية تلك التي شهدتها معتمدية المرناقية في فيفري من عام 1995. على الطريق المؤدية إلى سيدي علي الحطاب، الرياح الباردة كانت تعصف بالأشجار، والصمت يلف المكان إلا من صوت محركات سيارات الحرس الوطني التونسي المرابطة في نقطة تفتيش روتينية. لم يكن أعوان الحرس يعلمون أن هذا التفتيش الروتيني البسيط سيفجر قنبلة تاريخية تعيد كتابة ملامح المنطقة، وتكشف سرا مدفونا منذ سنين.
| سلسلة خفايا المرناقية | ملف رقم 1: العثور على رأس أنثوية في سيدي علي الحطاب سنة 1995 |
أثناء التفتيش، لم يجد الحرس بضاعة مهربة أو ممنوعات، بل وجدوا "عيوناً" تراقبهم بصمت.. وجدوا رأساً لامرأة شابة. كانت تلك هي اللحظة التي استفاقت فيها الجميلة من سباتها الذي دام ألفي عام في قلب "سيدي علي الحطاب".
لغز "بوحنش" المفقود:
بدأت التحقيقات فوراً. أين عثرت على هذا؟ كان السؤال يتردد بحدة. أشار الرجل بيد ترتجف نحو منطقة قريبة جداً من زاوية سيدي علي الحطاب، مزار المريدين الشهير. لكن الخبراء، وعلى رأسهم الدكتور "الطاهر غالية"، كانوا يعلمون أن السر يكمن في بقعة تبعد بضع مئات من الأمتار فقط: موقع "بوحنش" التابع لمعتمدية المرناقية.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في ما اكتشفه الباحثون لاحقًا. هذا المكان لم يكن مجرد أرض زراعية، بل كان يوماً ما جزءاً من "المثلث الذهبي" للحضارة الرومانية في إفريقيا البروقنصلية. نحن نتحدث عن منطقة استراتيجية تقع داخل مثلث أثري ضخم يضم ثلاث مدن رومانية قديمة كانت مزدهرة في عهد الإمبراطورية:
- أد مركوريوم (Ad Mercurium).
- إينوكا (Inuca).
- سيسيليبّا (Sicilibba).
| لغز "بوحنش" المفقود |
وجميعها كانت على الطريق الرومانية الكبرى التي تربط قرطاج بمدينة تبسة في الجزائر.
هنا، على الطريق الرابطة بين قرطاج وتبسة، كانت القصور والمنازل والفلل الرومانية الفاخرة تتلألأ تحت الشمس، وتخفي في أركانها تماثيل الأباطرة والأميرات.
بعبارة أخرى… لم تكن المرناقية أرضًا هامشية في التاريخ، بل جزءًا من شبكة حضارية كبرى.
تشريح الجمال الرخامي:
حين وصلت القطعة إلى مختبرات المتحف الوطني بباردو، انحبست أنفاس المرممين. الرأس كانت بحجمها الطبيعي، مصنوعة من رخام أبيض فاخر جداً. رغم أن الأنف قد كُسر حديثاً (ربما أثناء عملية الحفر العشوائي)، إلا أن بقية التفاصيل كانت "حية" بشكل مرعب. تأمل الخبراء تلك العيون اللوزية الصغيرة، والجفون المنحوتة بدقة متناهية.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في الأذنين. لقد نحتهما الفنان ببراعة تشريحية مذهلة، والأكثر إثارة هو وجود ثقوب حقيقية في شحمة الأذن. هذا يعني أن هذه الرأس لم تكن مجرد جماد، بل كانت تُزين بأقراط حقيقية من الذهب أو اللؤلؤ في المناسبات الكبرى، تماماً كما لو كانت سيدة من لحم ودم.
| سر الأقراط الحقيقية |
شيفرة "أنتونيا الصغرى":
انتقل ملف التحقيق إلى البحث عن "الهوية". من تكون صاحب هذا الوجه؟ هل هي إلهة أولمبية أم أميرة فانية؟. الإجابة كانت محفورة في تصفيفة شعرها. اعتمد النحات أسلوباً معقداً للغاية يُعرف بـ "طريقة شريحة البطيخ" (en tranches de melon). ينقسم الشعر من المنتصف، وينسدل في تموجات منتظمة تترك الآذان مكشوفة، لتنتهي بـ "شينيون" ملكي مكون من أربع ضفائر متشابكة على القفا.
| الشيفرة الملكية: شرائح البيطخ |
هذه التسريحة كانت العلامة المسجلة لأميرات البلاط الإمبراطوري في عهد السلالة اليوليوكلاودية. بعد مقارنات دقيقة مع تماثيل في "تولوز" وروما، وُضع القلم فوق اسم واحد: أنتونيا الصغرى (Antonia Minor). إنها ابنة مارك أنطوني (عشيق كليوباترا الشهير) وأوكتيفيا شقيقة الإمبراطور أغسطس، وهي والدة الإمبراطور كلوديوس. لقد كانت أنتونيا رمزاً للوفاء والجمال الرزين، وصورتها في المرناقية تمثلها في ريعان شبابها، بين سن المراهقة والثلاثين.
| تطابق الهوية: أنتونيا الصغرى |
الورشة الغامضة في المرناقية:
لكن السؤال الذي ظل يؤرق المحققين التاريخيين: كيف وصل تمثال بهذه الجودة الفنية العالية إلى ريف المرناقية؟ هل نُحت في روما وأُرسل عبر البحر؟. أم أن هناك "ورشة سرية" كانت تعمل في خفاء في تونس؟. تشير "خفايا المرناقية" إلى وجود ورشات نحت متنقلة من المرمريين الذين كانوا يتنقلون بين المدن الكبرى مثل "بلاريجيا" و"الجم" (تيسدروس) لتلبية طلبات النبلاء وأعيان المنطقة الذين أرادوا التفاخر بصلتهم بالعائلة الإمبراطورية. إن وجود تمثال أنتونيا في هذه المنطقة يعكس مدى ثراء ونفوذ العائلات التي كانت تسكن "برج العامري" والمرناقية في ذلك الزمان، حيث كانت قصورهم تنافس قصور روما في بذخها وفنها.
الملف لا يزال مفتوحاً:
انتهت رحلة الجميلة الرومانية من تحت تراب "سيدي علي الحطاب" لتستقر في قاعات المتحف الوطني بباردو، كشاهدة على عصر روماني عاشته المرناقية. لكن، هل هذه هي القطعة الوحيدة؟. المؤشرات تقول إن "بوحنش" لا تزال تبتلع أسراراً أكبر. ربما تحت تلك الحقول الخضراء التي تمر بها يومياً، تقبع مدن كاملة وتماثيل لأباطرة ينتظرون دورهم للاستيقاظ. إنها "خفايا المرناقية" التي لا تنتهي.. فإلى اللقاء في الملف القادم.. حيث التاريخ يعيش بيننا!
المرناقية… تاريخ أعمق مما نتصور:
قد تبدو المنطقة اليوم هادئة وبسيطة، لكن تحت تربتها ترقد طبقات من التاريخ تمتد إلى آلاف السنين. هذا الرأس الروماني ليس مجرد قطعة فنية… بل شاهد صامت على زمن كانت فيه هذه الأرض جزءًا من عالم متصل بروما، بالبحر المتوسط، وبسياسة الإمبراطورية. ربما لا يزال الكثير مخفيًا… ينتظر صدفة أخرى تكشفه.
يتبع…
هذه مجرد بداية سلسلة "خفايا المرناقية" حيث نحاول رفع الستار عن أسرار تاريخية مجهولة من المنطقة.
المصدر:
| Un portrait julio-claudien retrouvé près de Carthage |
تعليقات
إرسال تعليق